السيد محمد باقر الصدر

122

الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )

وهنا نصل إلى ما كنّا نستهدفه في البدء لكي نتساءل : كيف وجدت فكرة العلّة والمعلول في ذهننا ؟ وما دمنا قد عرفنا أنّ كلّ فكرة هي وليدة انطباع ، فما هو الانطباع الذي ولّد في ذهننا فكرة العلّة والمعلول ؟ وليتاح لنا الجواب على هذا السؤال ، يجب أن نعرف : ما هي فكرتنا عن علاقة العلّة والمعلول ؟ وهنا يجيب ( هيوم ) : بأنّ فكرة العلّة والمعلول لا تعني مجرّد تجاور الظاهرتين مكاناً أو زماناً ، إذ كثيراً ما تتجاور ظاهرتان زماناً ومكاناً ولا ندرك أنّ بينهما علاقة العلّة والمعلول ، وإنّما تعني الضرورة والحتميّة ، ولمّا كان العقل لا يستطيع أن ينشئ فكرة جديدة وإنّما تتولّد الأفكار دائماً عن الانطباعات ، فلا بدّ أن نفتّش عن الانطباع الذي نشأت عنه فكرة الضرورة . لنعُد إذن إلى التجربة لنكتشف ذلك الانطباع ، ولنفرض أنّا رأينا ( أ ) و ( ب ) قد اقترنتا مرّة واحدة ، إنّ ذلك الاقتران لا يجعلنا نقرّر في يقين أنّ هنالك رابطة بينهما ، ولكن لنفرض أنّ هذا الاقتران بين ( أ ) و ( ب ) تكرّر في حالات كثيرة جدّاً ، فسوف نجد أنّ هذا التكرار يجعلنا نفترض رابطة بين ( أ ) و ( ب ) ، ونتّجه إلى أن نستدلّ من ظهور إحداهما على وجود الأخرى ، وهذا يعني أنّ تعدّد الأمثلة والتكرار هو الذي يمدّنا بالينبوع القادر على منحنا فكرة الضرورة ، فكيف يكون ذلك ؟ إنّ ( هيوم ) يوضّح بهذا الصدد : أنّ التكرار وتعدّد الأمثلة نفسه لا يمكن أن يكون هو المولّد لفكرة الضرورة ؛ لأنّ تعدّد الأمثلة لا يعني بالنسبة إلينا إلّاتعدّد الانطباعات ؛ لأنّ كلّ مثال يولّد انطباعاً خاصّاً ، وكلّ واحد من تلك الانطباعات لا يمكن أن يكون هو المولّد لفكرة الضرورة ؛ لأنّ الضرورة ليست شيئاً محسوساً لكي تدخل في نطاق الانطباع الحسّي ، كما لا يمكن أيضاً أن يكون تعدّد الانطباعات المتماثلة وتكرارها سبباً لإيجاد فكرة الضرورة ؛ لأنّ الفكرة لا تنشأ